الخطيب الشربيني
333
مغني المحتاج
في الرؤية رؤية شئ من بدنه ولو غير وجهه ، ولو رأته وهي سكرى أو وهو سكران ولو كان المرئي في ماء صاف وزجاج وشفاف لا خيال فيهما طلقت لوجود الوصف ، بخلاف ما لو رأته وهي نائمة ، أو وهو متزر بثوب ، أو ماء كدر ، أو زجاج كثيف أو نحوه ، أو برؤيتها خياله في المرآة . نعم لو علق برؤيتها وجهها فرأته في المرآة طلقت إذ لا يمكنها رؤيته إلا كذلك ، صرح به القاضي في فتاويه فيما لو علق برؤيته وجهه . ويعتبر مع ما ذكر صدق رؤية كله عرفا ، فقد قال المتولي بعد ذكره ما مر : أما لو أخرج يده أو رجله من كوة فرأت ذلك العضو منه لم تطلق لأن الاسم لا يصدق عليه ، فإن كانت عمياء وأيس من برئها عادة كمن تراكم على عينيها البياض ، أو عاريا ، أو ولدت عمياء ، فتعليق بمستحيل . ولو علق برؤيتها الهلاك حمل على العلم به ، ولو برؤية غيرها له ، أو بتمام العدد فتطلق بذلك ، لأن العرف يحمل ذلك على العلم ، وعليه حمل خبر : صوموا لرؤيته بخلاف رؤية زيد مثلا ، فقد يكون الغرض زجرها عن رؤيته . وعلى اعتبار العلم يشترط الثبوت عند الحاكم كما في الخبر السابق ، أو تصديق الزوج كما قاله ابن الصباغ وغيره . ولو أخبره به صبي أو عبد أو امرأة أو فاسق وصدقه فالظاهر كما قال الأذرعي مؤاخذته . ولو قال : أردت بالرؤية المعاينة صدق بيمينه . نعم إن كان التعليق برؤية عمياء فلا يصدق ، لأنه خلاف الظاهر لكن يدين ، فإذا قبلنا التفسير بالمعاينة ومضى ثلاث ليال ولم تر فيها الهلال من أول شهر تستقبله انحلت يمينه ، لأنه لا يسمى بعدها هلالا . ( بخلاف ضربه ) إذا علق الطلاق به ، ك إن ضربت زيدا فأنت طالق فضربته وهو ميت لانتفاء الألم ، أو وهو حي طلقت بضربه بسوط أو وكز أو نحو ذلك إن آلم المضروب كما في الروضة ولو مع حائل . بخلاف ما إذا لم يؤلمه ، أو عضه أو قطع شعره أو نحو ذلك ، فإنه لا يسمى ضربا . فإن قيل : قد صرحوا في الايمان بعدم اشتراط الايلام فكان ينبغي أن يكون هنا كذلك . أجيب بأن الايمان مبناها على العرف ، ويقال في العرف ضربه فلم يؤلمه . فروع : لو علق بتكليمها زيدا فكلمته وهو مجنون أو سكران سكرا يسمع معه ويتكلم ، وكذا إن كلمته وهي سكرى لا السكر الطافح طلقت لوجود الصفة ممن يكلم غيره ويكلم هو عادة ، فإن كلمته في نوم أو إغماء منه أو منها ، أو كلمته وهي مجنونة ، أو كلمته بهمس وهو خفض الصوت بالكلام حيث لا يسمعه المخاطب ، أو نادته من مكان لا يسمع منه ، فإن فهمه بقرينة ، أو حملته ريح إليه وسمع لم تطلق ، لأن ذلك لا يسمى كلاما عادة . وإن كلمته بحيث يسمع لكنه لا يسمع لذهول منه ، أو لشغل ، أو لغط ، ولو كان لا يفيد معه الاصغاء طلقت لأنها كلمته وعدم السماع لعارض ، وإن كان أصم فكلمته فلم يسمع لصمم بحيث لو لم يكن أصم لسمع فقيل يقع ، لأنها كلمته بحيث يسمع وإن تعذر السماع لأمر به فأشبه شغل قلبه ، وصحح هذا الرافعي في الشرح الصغير وجزم به في أصل الروضة في كتاب الجمعة ونقله المتولي ثم عن النص ، وقال الزركشي : تتعين الفتوى به ، وقيل : لا تطلق لأنها لم تكلمه عادة فهو في حقه كالهمس ، وبهذا صرح المصنف في تصحيحه وجرى عليه ابن المقري في روضه . هذا والأوجه كما قال شيخنا حمل الأول على من يسمع مع رفع الصوت ، والثاني على من لم يسمع مع رفعه ، وهذا أولى من تضعيف أحد الوجهين . ولو قال : إن كلمت نائما أو غائبا عن البلد مثلا فأنت طالق ، لم تطلق لأنه تعليق بمستحيل ، كما لو قال : إن كلمت ميتا أو حمارا . ولو قال : إن كلمت زيدا فأنت طالق فكلمت حائطا مثلا وهو يسمع فوجهان ، أصحهما أنها لا تطلق لأنها لم تكلمه . والثاني : تطلق لأنه المقصود بالكلام دون الحائط ، ولو قال : إن كلمت رجلا فأنت طالق فكلمت أباها أو غيره من محارمها أو زوجها طلقت لوجود الصفة ، فإن قال : قصدت منعها من مكالمة الرجال الأجانب قبل منه لأنه الظاهر . ولو قال : إن كلمت زيدا أو عمرا فأنت طالق طلقت بتكليم أحدهما وانحلت اليمين فلا يقع بتكليم الآخر شئ ، أو : إن كلمت زيدا وعمرا فأنت طالق لم تطلق إلا بكلامهما معا أو مرتبا ، أو : إن كلمت زيدا ثم عمرا أو زيدا فعمرا اشترط تكليم زيد أولا وتكليم عمرو بعده متراخيا في الأولى وعقب كلام زيد في الثانية . تنبيه : الأصحاب إلا الإمام والغزالي يميلون في التعليق إلى تقديم الوضع اللغوي على العرف الغالب ، لأن العرف